محمد ثناء الله المظهري
162
التفسير المظهرى
المشاورة استخراج ما عندهم من العلم بالأصلح بتلاحق الافكار بناء على جرى العادة ولا يعلم ما في الواقع من الغيب الا الله تعالى - وقد يتخبط العقول في النظر وقد يفعل الله تعالى على خرق العادة فلا وجه للاعتماد على الآراء - والتوكل ان يلتجئ إلى الله خاصة ويطلب منه ان يجعل عاقبة سعيه خيرا ويحسن الظن به في ذلك قيل التوكل ان لا تعصى الله من أجل رزقك وهذا القول مستلزم للالتجاء ولا التجاء في المعصية وقيل معناه ان لا يطلب لنفسك ناصرا غير الله ولا لرزقك خازنا غيره ولا لعملك شاهدا غيره - قلت وتخصيص الالتجاء والطلب منه تعالى لا يتصور بدون هذه الأمور عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلون الجنة سبعون ألفا من أمتي بغير حساب قيل يا رسول الله من هم قال هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون متفق عليه وكذا روى البغوي عن عمران بن حصين - وعن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو اخماصا وتروح بطانا رواه الترمذي وابن ماجة - فان قيل الظاهر من حديث ابن عباس ان التوكل ترك التشبث بالأسباب العادية كالاكتواء والاستراق - قلت لا بل ترك الاعتماد على الأسباب ألا ترى الاستيشار من باب التشبث بالأسباب فالله سبحانه امر بالاستشارة ثم امر بترك الاعتماد عليه وقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث وعلى ربهم يتوكلون ليس تفسيرا لقوله لا يكتوون ولا يسترقون فان العطف يقتضى المغايرة - ولعل ذلك السبعون الف لا يتشبّثون بالأسباب غالبا - أو المراد ترك التشبث ببعض الأسباب المكروهة كيف وتشبث الأسباب من لوازم هذه النشأة فان الاكل والشرب من أسباب الحياة عادة والصلاة والصوم من أسباب دخول الجنة غالبا والواجب إتيانها إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ( 159 ) عليه وكونه محبوبا لله تعالى هو المقصد الأسنى - وأيضا التوكل على الله يفضى إلى أن ينصرهم الله ويهديهم إلى الصلاح قال الله تعالى وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ وقال في الحديث القدسي انا عند ظن عبدي بي . إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ أحد إذ يستحيل ان يكون المنصور من الله مغلوبا فإنه يستلزم عجزه تعالى عن ذلك علوا كبيرا وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ ومنعكم نصره فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ يعنى لا أحد ينصركم لان افعال العباد مخلوقة لله تعالى فلا يتصور حقيقة النصر من أحد على تقدير خذ لأنه منه تعالى مِنْ بَعْدِهِ اى من بعد خذ لأنه أو المعنى بعد ما جاوزتم الله في الاستنصار لا يتصور النصر من غيره - فهذه الآية برهان على وجوب التوكل على الله عقلا بعد ما ثبت